وداع

ما كان حبّنا خطأً…
إنّما انتهى كأجمل الأشياء

رسالةٌ أخيرة، مكتوبةٌ بقلبٍ لم ينسَ، ولم يعد يملك البقاء.

يا من كنتِ وعدَ الصباح في لياليّ الطويلة، أكتب إليكِ اليوم لا لأستبقيكِ، بل لأودّع فيكِ أجمل ما عرفتُ من نفسي. لقد انفرط عقدُ الخطبة كما تنفرط حبّات المسبحة من خيطٍ قديم؛ لا عن بغضٍ، ولا عن نكران، بل لأنّ القدر أحيانًا يختار لنا طريقًا أضيق من أن يتّسع لاثنين كانا يحسبان الدنيا فسيحةً بحبهما.

كنتِ في أيامي سكينةً خفيفة، وفي صمتي أُنسًا لا يحتاج إلى كلام كثير. أحببتُ فيكِ التفاتة العين حين تصدق، ونبرة الصوت حين تهدأ، وطريقة جلوسكِ إلى الحياة كأنّكِ تطمئنينها أنّها ليست قاسيةً دائمًا. وما زلتُ أذكر كيف كنّا نعدّ الغد كأنّه ملك أيدينا، وكيف كنّا نضحك من أشياء صغيرة كأنّ الفرح لا ينفد.

لكنّ الطريق لم يكن كلُّه ضوءًا. كان فينا أيضًا أيامٌ ثقيلة، ليالٍ تضيق بالصدر، وأوقاتٌ يثقل فيها الكلام قبل أن يثقل الصمت. غير أنّنا لم نكن نواجهها فرادى؛ كنّا نمرّ بها معًا، كتفًا إلى كتف، نتكئ بعضُنا على بعض إذا مالت الريح، وننهض إذا تعثّر أحدنا، كأنّ الصعوبة نفسها كانت تذكّرنا بأنّنا لسنا وحدنا في العاصفة.

وفي ذلك المعنى يقول جبران خليل جبران في «الأجنحة المتكسّرة»:

«إنّ النفس الحزينة المتألمة تجد راحة بانضمامها إلى نفسٍ أخرى تماثلها بالشعور وتشاركها بالإحساس… فالقلوب التي تدنيها أوجاع الكآبة بعضها من بعض لا تفرّقها بهجة الأفراح وبهرجتها.»

جبران خليل جبران — الأجنحة المتكسّرة

عافرتُ من أجلكِ حتى ظننتُ أنّ العَفْرَ صار اسمي الآخر. رافعتُ جيوشًا من الصبر، ومن التأجيل، ومن التماس الأعذار، ومن محاولات الإنقاذ المتكرّرة، ووقفتُ في وجه العواصف كأنّي أستطيع وحدي أن أردّ القدر عن بابنا. لكنّ بعض المعارك — مهما صدق فيها الجهد — لا تُكسَب. لم يكن نقصًا في الحبّ، بل عجزًا في أن يبقى الحبّ حيًّا حيث تُداس الكرامة.

ثمّ جاء يومٌ توقّف فيه الزمن عن مجاملتنا. لم تنكسر الدنيا دفعةً واحدة، بل تهاوت بهدوء… كبيتٍ عتيق تخلّت عنه الريح قطعةً قطعة. وفي ذلك الهدوء المؤلم فهمتُ أنّ بعض النهايات لا تأتي صاخبة، إنّما تأتي كحقيقةٍ نؤجّل الاعتراف بها طويلًا، حتى لا تعود تؤجَّل.

ومع ذلك… حتى بعد الفراق، وإلى آخر لحظة، حاولتُ أن أوفي بكلّ وعودي. وفيتُ بما استطعت، وبقيتْ وعودٌ لم أقدر على إتمامها، لا عن تهاونٍ ولا عن نكرانٍ للعهد، بل لأنّ بعض الوعود تنكسر غصبًا عن صاحبها، حين تضيق يدُ الإمكان عن عنق النيّة. كنتُ أريد الوفاء كاملًا، غير أنّ القدر لا يستأذن النيات الطيبة دائمًا، وكأنّ الإنسان يَعِد بما في قلبه، ثمّ تخذله ظروفٌ أوسع من قدرته.

ويأتي نجيب محفوظ في «قصر الشوق» على ألم الفراق كأنّه يصف ما لا يُقال بسهولة:

«وكان الألم في الأيام الأولى للفراق كالمجنون في هذيانه ووسوسته، ولو طال به الأمد على ذلك لقُضي عليه… غير أنّه لم يتعزَّ — وكيف يتعزّى عن الحب، وهو أجلّ ما كاشفته الحياة؟»

نجيب محفوظ — قصر الشوق

نعم… كان الحبّ حاضرًا. وكان صادقًا. وما زلتُ أحتفظ بصورٍ صغيرة لا تُعرض على أحد: ضحكةٌ في منتصف جملة، وخوفٌ مشترك من الغد، ووعدٌ قيل بصدق، وسكوتٌ كان أبلغ من ألف اعتذار، ويدٌ امتدّت في يومٍ صعب فلم تنسحب. هذه الأشياء لا تُمحى لأنّ الخطبة انفرطت؛ إنّما تبقى كأثر عطرٍ في غرفةٍ غادرها أهلها، يذكّر بأنّ أحدًا كان هنا… وأنّه أحبّ.

أعلم أنّ الوداع ليس عدلًا دائمًا، وأنّ الكلمات مهما صفتْ لا تردّ ما تكسّر. لكنّي أأبي أن أترك بيننا صمتًا أجوف، فأقول لكِ بصوتٍ هادئ: شكرًا لأنّكِ مررتِ في عمري كفصلٍ لا يُنسى، ولأنّكِ علّمتِ قلبي أن يحبّ بلا حساب. وشكرًا لأنّكِ لم تكوني عابرةً باهتة، بل حضورًا ملأ المكان والمعنى، حتى صارت الذكريات — على وجعها — دليلًا على أنّنا عشنا حقًّا.

وتقول سلمى كرامة لحبيبها في وداعها الأخير في «الأجنحة المتكسّرة»:

«وقد جئتُ لأودّعك يا حبيبي، فليكن وداعنا عظيمًا وهائلًا مثل حبّنا — ليكن وداعنا كالنار التي تصهر الذهب لتجعله أشدّ لمعانًا.»

سلمى كرامة · جبران خليل جبران — الأجنحة المتكسّرة

غير أنّ الوداع العظيم لا يعني البقاء حيث يُهان المرء ببطء. فقد حان الوقت الذي أختار فيه نفسي وكرامتي. لا أستطيع أن أظلّ في مكانٍ تُداس فيه كرامتي تحت قدم العادة أو الخوف أو التأجيل، ولا أقدر أن أسمّي ذلك حبًّا إذا صار الحبّ حبلًا يخنق ما تبقّى منّي. أحببتُكِ بما يكفي لأحارب من أجلكِ… وأحترم نفسي بما يكفي لأتوقّف حين يصبح البقاء خسارةً لا وفاءً.

ويقول عنترة بن شداد، حين جعل الكرامة ميزان الحياة كلّها:

«لا تسقني ماءَ الحياة بذلّةٍ
بل فاسقني بالعزّ كأسَ الحنظلِ
ماءُ الحياة بذلّةٍ كجهنّمٍ
وجهنّمٌ بالعزّ أطيبُ منزلِ»

عنترة بن شداد

ولهذا أقولها بوضوحٍ هادئ لا يشبه الصراخ: بعدها أمضي في حياتي إلى مكانٍ آخر، بعيد، إلى أرضٍ تُقدَّر فيها كرامتي، ويُعامل فيها القلب دون أن يُكسَر ليُثبَت ولاؤه. لن أظلّ حارسًا على بابٍ أُغلق، ولا شاهدًا صامتًا على ما ينقصني كلّ يوم قليلًا قليلًا.

وتهمس غادة السمان في «أعلنتُ عليكِ الحب»:

«لم يعد الفراق مخيفًا يوم صار اللقاء موجعًا هكذا.»

غادة السمان — أعلنتُ عليكِ الحب

فاذهبي أنتِ إلى طريقكِ، وأذهب أنا إلى طريقي. ومن هذه اللحظة لن أراقبكِ، ولن أتتبّع أخباركِ، ولن أفتح نوافذ الغياب بحثًا عن أثرٍ منكِ. هذه آخر مرة أسمح فيها لعينيّ أن تقفا عند بابكِ… بعدها يصير اسمكِ ذكرى تُصان، لا خبرًا يُلاحَق. لا بلومٍ يسمّم ما كان جميلًا، ولا رجاءٍ مستترٍ يعيد شدّ الحبل من طرفٍ خفيّ. إن احتجتِ أن تنسي بعض التفاصيل لتستريحي، فلا جناح عليكِ. وأنا سأحفظ منكِ ما يكفي لأظلّ شاكرًا أنّي أحببت، وأنسى ما يكفي لأظلّ قائمًا على قدميّ… لا منكسرًا على عتبة أمسٍ.

وأخيرًا… أصفح عمّا أوجع، وأرجو أن تصفحي عمّا أوجع منّي، فما من حبٍّ بشريٍّ يخلو من زللٍ أو تقصير. لكنّ ما بيننا كان أكبر من زلله، وأصدق من لحظات ضعفه. وهذا يكفي لأودّعكِ رافع الرأس: لا نادمًا على أنّني أحببتُ، ولا آسفًا على أنّني اخترتُ — في آخر الأمر — ألا أدفن كرامتي في تراب الحنين.

وداعًا… لا كمن يُغلق بابًا، بل كمن يطفئ سراجًا بعد أن أضاء بما يكفي، ثمّ يخرج إلى النهار حاملًا نفسه سليمًا. وداعًا يا أجمل فصلٍ كتبته الحياة في دفتري… ثم طوتْ صفحته برِفق.

كنتِ قصّتي الأجمل…
وهذا ختام فصلها

حفظكِ الله حيثما كنتِ، وسقانا من ذكره صبرًا جميلًا. إنّ القلوب التي أحبّت بصدق لا تكره إذا افترقت؛ إنّما تتعلّم أن تحبّ من بعيد، وأن تدعو في السرّ، وأن تُسلم الأمر لمن لا يضيع عنده شيء.

وداع… إلى الأبد